الشوكاني

157

فتح القدير

على دعواكم أساطير الأولين ، أو يقولون ذلك من أنفسهم على طريق السخرية . والأساطير : الأباطيل والترهات التي يتحدث الناس بها عن القرون الأولى . وليس من كلام الله في شئ ولا مما أنزله الله أصلا في زعمهم ( ليحملوا أوزارهم كاملة ) أي قالوا هذه المقالة لكي يحملوا أوزارهم كاملة . لم يكفر منها شئ لعدم إسلامهم الذي هو سبب لتكفير الذنوب ، وقيل إن اللام هي لام العاقبة ، لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لأجل يحملون الأوزار ، ولكن لما كان عاقبتهم ذلك حسن التعليل به كقوله - ليكون لهم عدوا وحزنا - وقيل هي لام الأمر ( ومن أوزار الذين يضلونهم ) أي ويحملون بعض أوزار الذين أضلوهم لأن من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها ، وقيل من للجنس لا للتبعيض : أي يحملون كل أوزار الذين يضلونهم ، ومحل ( بغير علم ) النصب على الحال من فاعل " يضلونهم " أي يضلون الناس جاهلين غير عالمين بما يدعونهم إليه ، ولا عارفين بما يلزمهم من الآثام ، وقيل إنه حال من المفعول : أي يضلون من لا علم له ، ومثل هذه الآية - وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم - . وقد تقدم في الأنعام الكلام على قوله - ولا تزر وازرة وزر أخرى - ( ألا ساء ما يزرون ) أي بئس شيئا يزرونه ذلك . ثم حكى سبحانه حال أضرابهم من المتقدمين فقال ( قد مكر الذين من قبلهم ) ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان حيث بنى بناء عظيما ببابل ، ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها ، فأهب الله الريح ، فخر ذلك البناء عليه وعلى قومه فهلكوا ، والأولى أن الآية عامة في جميع المبطلين من المتقدمين الذين يحاولون إلحاق الضر بالمحقين ، ومعنى المكر هنا الكيد والتدبير الذي لا يطابق الحق ، وفى هذا وعيد للكفار المعاصرين له صلى الله عليه وآله وسلم بأن مكرهم سيعود عليهم كما عاد مكر من قبلهم على أنفسهم ( فأتى الله بنيانهم ) أي أتى أمر الله ، وهو الريح التي أخربت بنيانهم . قال المفسرون : أرسل الله ريحا فألقت رأس الصرح في البحر ، وخر عليهم الباقي ( من القواعد ) قال الزجاج : من الأساطين ، والمعنى : أنه أتاها أمر الله من جهة قواعدها فزعزعها ( فخر عليهم السقف من فوقهم ) قرأ ابن أبي هريرة وابن محيصن " السقف " بضم السين والقاف جميعا . وقرأ مجاهد بضم السين وسكون القاف ، وقرأ الباقون " السقف " بفتح السين وسكون القاف ، والمعنى : أنه سقط عليهم السقف ، لأنه بعد سقوط قواعد البناء يسقط جميع ما هو معتمد عليها . قال ابن الأعرابي ، وإنما قال من فوقهم ( ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته ، والعرب تقول خر علينا سقف ، ووقع علينا حائط إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه ، فجاء بقوله ( من فوقهم ) ليخرج هذا الشك الذي في كلام العرب ، لقال ( من فوقهم ) أي عليهم وقع ، وكانوا تحته فهلكوا ، وما أفلتوا ، وقيل إن المراد بالسقف السماء : أي أتاهم العذاب من السماء التي فوقهم ، وقيل إن هذه الآية تمثيل لهلاكهم ، والمعنى : أهلكهم فكانوا بمنزلة من سقط بنيانه عليه . وقد اختلف في هؤلاء الذين خر عليهم السقف ، فقيل هو نمروذ كما تقدم ، وقيل إنه بختنصر وأصحابه ، وقيل هم المقسمون الذين تقدم ذكرهم في سورة الحجر ( وأتاهم العذاب ) أي الهلاك ( من حيث لا يشعرون ) به ، بل من حيث أنهم في أمان ، ثم بين سبحانه أن عذابهم غير مقصور على عذاب الدنيا . فقال ( ثم يوم القيامة يخزيهم ) بإدخالهم النار ، ويفضحهم بذلك ويهينهم ، وهو معطوف على مقدر : أي هذا عذابهم في الدنيا ، ثم يوم القيامة يخزيهم ( ويقول ) لهم مع ذلك توبيخا وتقريعا ( أين شركائي ) كما تزعمون وتدعون ، قرأ ابن كثير من رواية البزي " شركاى " من دون همز ، وقرأ الباقون بالهمز ، ثم وصف هؤلاء الشركاء بقوله ( الذين كنتم تشاقون فيهم ) قرأ نافع بكسر النون على الإضافة ، وقرأ الباقون بفتحها ، أي تخاصمون الأنبياء والمؤمنين فيهم ، وعلى قراءة نافع تخاصمونني فيهم وتعادونني : ادعوهم فليدفعوا عنكم هذا العذاب النازل بكم .